ابن الحسن النباهي الأندلسي
71
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
فأحسن اللّه عنّا وعن نفسه جزاءه » فغضب سعيد الخير من قوله ، وقال له : « هذا حسبي منك » فقال له : « نعم ! قد قضيت الذي كان عليّ ؛ ولست ، واللّه ! أعارض القاضي فيما احتاط به لنفسه ، ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله » . ولما عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك ، قال لمن عاتبه : « يا عاجز ، ألا « 1 » تعلم أنه لا بدّ من الإعذار في الشهادات ؟ فمن كان يجترئ على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ؟ وإن « 2 » لم أعذر ، بخست المشهود عليه بعض حقّه » . وكان القاضي محمّد بن بشير لا يجيز الشهادة على الخطّ في غير الأحباس ، ولا يرى القضاء باليمين مع الشاهد . ولذلك اعتلّ عند شهادة الأمير الحكم في خصومة عمّه سعيد الخير بما اعتلّ . ومسألة اليمين مع الشاهد مما اختلف فيه أهل العلم ؛ فأمّا مالك ، فإنّه كان يرى ذلك ؛ وأمّا اللّيث ، فإنّه كان يرى أنّ كلّ حقّ لم يشهد عليه عدلان باللّه تعالى لم يرد إتمامه . قال عبيد اللّه بن يحيى : وكان أبي - رحمه اللّه - يحتجّ بقول اللّيث . ويحكى عن محمّد بن بشير أنّه لم يحكم في ولايته باليمين مع الشاهد ، ولا حكما واحدا . وفي « أحكام » ابن أبي زياد : قال محمّد بن عمر بن لبابة : قد علم القاضي - حفظه اللّه - اختلاف أهل العلم ، وما ذهب إليه مالك ، وأصحابه من اليمين مع الشاهد ، وما ذهب إليه قضاة بلدنا منذ دخلته العرب ، من أنّهم لا يرون اليمين مع الشاهد ، ولا يقضون به . فليتخيّر القاضي ما أراده اللّه . وإني لمتوقّف على الاختيار في هذا ، لما ظهر لي من فساد الناس ، وقلّة الدعة في الشهادة . ومن « نوازل » أبي الأصبغ بن سهل : قال ابن حبيب : حدّثني ابن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن يونس بن يزيد ، عن سلمة بن قيس ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استشار جبريل عليه الصلاة والسلام في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد ؛ فأمره بذلك . وعن عليّ بن أبي طالب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قضى في الحقوق به ؛ وقضى بذلك عليّ وشريح . قال مالك : مضت به السّنّة ؛ يحلف الطالب مع شاهده ، ويستحقّ حقّه ؛ فإن نكل ، حلف المطلوب ، وإلّا غرم ، وذلك في الأموال خاصّة ، لا في الحدود ، ولا في النكاح ، ولا في الطلاق ، ولا في العتاق والسرقة
--> ( 1 ) في نفح الطيب ( ص 148 ) : « أما » . ( 2 ) في نفح الطيب : « ولو لم . . . » .